עברית
English

Thank you! Your submission has been received!

Oops! Something went wrong while submitting the form

مجموعة الساعات

تعرض في متحف الفنّ الإسلاميّ، في ما يشبه الجيب الأوروبّيّ، إحدى المجموعات الهامّة في العالم والتي توثق الابداع في معرفة الوقت. ركّب مجموعة الساعات النادرة والرائعة هذه السير ليونال سلومونس في بدايات القرن الـ 20.  فيما ابنته، السيّدة فيرا برايس سلومونس هي التي قرّرت عرض هذه المجموعة بالذات في المتحف الذي أقامته في القدس، مع العلم أنّ لا علاقة تربط مجموعة الساعات التي صُنعت في أوروبّا وبين الفنّ الإسلاميّ، باستثناء كونهما أعمالًا فنّيّة. 

لم يكُن السير سلومونس جامعًا للأعمال الفنّيّة فقط، بل عالمًا هاويًا وهورولوجًا (خبيرًا بأسرار الساعات) شبهَ محترف. مجموعته التي تعود معظم محتوياتها إلى القرنين الـ 18 والـ 19 تعكس اهتمام السير سلومونس بالساعات المركّبة المبنيّة بناءً على مبادئ ميكانيكيّة معقّدة، كما تعكس معرفته العميقة في مهنة صناعة الساعات وتصليحها بكلّ جوانبها.   

تحتوي المجموعة على ساعات متنوّعة: ابتداءً من الساعات البسيطة وانتهاء بساعات تعزف والتي تعتبر عملًا فنّيًّا دقيقًا من الناحيتَين الميكانيكيّة والجماليّة. من بينها توجد ساعات "تُعبّأ" بشكل تلقائيّ، ساعات متنقّلة، ساعات دقّاقة، بالإضافة إلى أجهزة علميّة وآلات موسيقيّة تُدار باليد وعلب مصنوعة من المينا أو مطليّة به مرقّنة (مزخرفة بالرسوم) مزوّدة آليّة صغيرة ومعقّدة. ما يميّز هذه المجموعة الفاخرة هو الذوق المتميّز لصاحبها الحسّ الخاصّ الذي امتلكه السير سلومونس في العثور على النفائس، وعلى "الجادجيتات" (الآلات الذكيّة المعقّدة) وملحقات موضة العالم القديم التي تجمل بها الأمراء والـ "دوقات".

صميم قلب المجموعة والمكوّنة من حوالي 200 قطعة، هو 55 ساعة من إنتاج منتج الساعات الباريسيّ المعروف الساعاتيّ أڤراهام لويس بيرغي. كتب السير سلومونس في الكتالوج الأصليّ للمجموعة، بأنّه "أن تحمل ساعة جيب ممتازة من إنتاج بيرغي هو تماماً كأن تحمل عقل نابغة في الجيب".  كان بيرغي خبيرًا وحيدًا في عصره في علم قياس الزمن. حيث أدخل لحيز الاستعمال الساعات التي "تُعبّأ" تلقائيًّا بشكل ذاتيّ وطوّرها إلى حدٍّ كبير جدًّا.

بالإضافة إلى دقتها فإنّ ساعات بيرغي تمتاز بالأناقة والجمال. فلا عجب أنّ كانت ماري أنطوانيت من أوائل الزبائن المشهورين للساعاتيّ الذي زوّد بالساعات من جميع الأنواع الملوك والأمراء والنبلاء من كلّ أوروبّا وبريطانيا وروسيا. 

 

اشتغل بيرغي طوال حياته على مفهوم بُعد الزمن المتوجب، وهو من اخترع آليات تحتال على القيود التكنولوجيّة في تلك الفترة. كان خبيرًا في الميكانيكا الدقيقة.  مكنات ساعاته كانت غاية في الكمال والمنطق، وبموجبها تحدّدت معايير صناعة الساعات والتي مازالت سارية المفعول حتّى يومنا هذا. إذ لم ينجح أحد في إدخال أيّ تحسين عليها منذ ذلك الوقت. لقد أنتج مئات وآلاف الساعات لكلّ استعمال مدنيّ أو علميّ ممكن، وآليّات الساعات البسيطة والمعقّدة أيضًا عرفت بموثوقيّتها. ولكي يحافظ على منتجاته من التزييف اعتاد بيرغي أن ينقش توقيعه على جانب الساعة. جاء هذا التوقيع صغيرًا حتّى أنّه لا يمكن رؤيته بالعين المجرّدة.

من بين الساعات التي صنعها بيرغي والموجودة في مجموعة سلومونس والتي تعد من أفضل ما صنع هي ساعة "تُعبّأ" تلقائيًّا (لا تتوقّف = Perpetual) رقم 160 (WA 69). في سنة 1783 طلب هذه الساعة الفاخرة، على ما يبدو، ضابط في حرس الملكة، ماري أنطوانيت.  تمّ الانتهاء من العمل على الساعة التي حظيت بالاسم "ماري أنطوانيت" في سنة 1820، أي بعد أكثر من 30 سنة على طلبها.      

لا يستطيع أيّ ساعاتيّ – فنّان غير لويس بيرغي تخطيط وتنفيذ مثل هذه الساعة الخاصّة والمعقّدة. ساعة ماري أنطوانيت هي تحفة فنّيّة في غاية الدقّة والجمال. وهي تمثّل قدرة بيرغي الفائقة جدًّا على بناء الساعات ذات آليّة معقدة  مع الكثير من الاضافات التي تحويها. في وقتنا الحاضر كنا سنضطر لتجميل الكثير من التطبيقات لكي نكمّل المركّبات التي تحتوي عليها هذه الساعة المتطوّرة: تقويم سنويّ يشمل تصحيحات للسنوات الكبيسة، مقياس لدرجات الحرارة، مذكِّرة، مقارنة الأوقات، وهذه ما هي إلّا جزء من القائمة.

تمتاز الساعة بفخامتها وهي كلّها أناقة هادئة: كلّها مصنوعة من الذهب باستثناء أجزاء الفولاذ الضرورية . علبة الساعة مصنوعة من الذهب والمسطّحات مغطاة بحجارة الياقوت. الغطاء الاماميّ والخلفيّ مصنوعان من فصوص البلّور من خلالهما يمكن مشاهدة الصيغة الكاملة والمتكاملة للمكنة. على مينا الساعة المصنوع من البلّور الصخريّ نُقشت الأرقام الرومانيّة والتوقيع "بيرغي وابنه" في علبة الساعة تعرَض أيضًا لوحة ثانوية للثواني والتي تشير أيضًا إلى اليوم في الأسبوع: عقارب من الفولاذ الأزرق الفاتح وعقرب ساعات يقفز. على اليسار توجد الواح لمقارنة الاوقات ولوضع "التعبئة" وعلى اليمين لوحة تشير  إلى موقع اليوم من الشهر وميزان حرارة. على جانب العلبة يظهر توقيع إضافيّ " "بيرغي رقم 160".

الساعات التي "تُعبّأ" تلقائيًّا تعتبر من اختراع بيرغي وهي مساهمته الكبرى لعالم صناعة الساعات، إلّا أنّ إنتاج هذا النوع من الساعات توقّف بسبب تكلفته العالية وصعوبة عمليّة التركيب. أشار هذا النوع من الساعات للوقت بدقّة وصلت إلى عشر ثوانٍ في اليوم (الليل والنهار) وواصل القياس بموثوقيّة طوال الوقت بدون تعيير.    

ساعة إضافيّة "تُعبّأ" تلقائيًّا تحمل الرقم 1670 (WA 77)، بيعت في سنة 1814، تمثل التغييرات الكثيرة التي طرأت على توزيع المكنة. فقد أصبحت المكنة، على سبيل المثال أدقّ مرّتين من الساعات التي صنعت حتّى ذلك الوقت، ثقالة الزنبرك أصغر وموجودة في فجوة في مينا الساعة، من أجل التوفير في الارتفاع. لتوفير مكان للثقالة تم تحريك ميزان أو شاكوش الساعة (أحد المركّبات في الساعة) ومجموعة العجلات المسنّنة إلى جهة واحدة كما تمّ تقليص مقاساتها. هذه الحلول تدلّ على المدى الذي كان فيه بيرغي صاحب قدرة على الاختراع في تصميم ساعاته.

أمّا الساعة رقم 5050 (WA 99) فهي مركّبة أكثر ومزوّدة بمكنة إضافيّة لتنطق بالساعة تقنية لم تكن موجودة في الساعة السابقة (رقم 1670). يحتوي مينا الساعة على فتحات إضافيّة لمنازل القمر وللتاريخ. المنطقة التي في الجهة اليمنى مخصّصة للضبط والتحكُّم والذي في الجانب العلويّ "للتعبئة".

لساعات بيرغي  عبق الرومانسيّة الأوروبّيّة في القرن الـ 19. والتي تستحضر في المخيلة رحلات قطارات تسابق الرياح وهي تشقّ أوروبّا أو تمخر عباب المحيط في بواخر بخاريّة. الساعات هي أثر جميل من عالم كان فيه علية القوم يخرجون من جيب الساعة في قمصانهم سلسلة ساعة مذهّبة ويفحصون كم الساعة، وسيّدات بتنانيرهنّ المنتفخة يتعلّقن بأذرعهم.   

في سنة 1815 كرّس بيرغي مواهبه وخبرته لخدمة الأسطول الفرنسيّ عندما تمّ تعيينه الساعاتيّ الرسميّ للأسطول. وقد أنتج سلسلة أدوات تعرف باسم كرونومترات بحريّة تستخدم لتحديد خط الطول التي توجد عليه الباخرة. يجب أن يكون الكرونومتر ذا دقّة متناهية لأنّ الباخرة من المحتمل أن تبقى في البحر طوال أشهر طويلة وحتّى لمدّة سنوات بدون تعيير الجهاز من جديد. 

كرونومترات بيرغي مثل ساعاته بقيت تعمل بوتيرة ثابتة دون أيّ انحراف، الساعة رقم 2980 (WA 92) من ساعات بيرغي هي ساعة تستطيع قياس الزمن بدقة بضع ثوان في اليوم طوال سنوات طويلة. يوجد فيها ميزان أو شاكوش صممه بيرغي نفسه بشكل خاصّ لكي يعمل بشكل موثوق بدون تزييت إذ أنّ عدم توفّر زيت تشحيم ذي جودة عالية في تلك الفترة كان السبب الأهمّ في عدم الانضباط في وتيرة إيقاع الساعات.  كما أن أخطاء في تثبيت عجل التوازن سبّبت أيضاً ايقاعًا غير منتظم، تمّ اصلاحها بواسطة وضع الشاكوش مع عجل التوازن داخل آليّة تدور وهكذا توازنت التغييرات المختلفة وحصل على قيمة يوميّة ثابتة.

نموذج ساعة إضافيّ حمل اسم ساعة عربة الركّاب اخترعه بيرغي في سنوات التسعينيات من القرن الـ 18. ساعة عربة الركّاب هي الأكثر تعقيدًا ضمن مجموعة الـ "سيمباتيك" التابع بيرغي (CL 4) والتي صنعها لويس رابي أحد تلاميذ بيرغي الموهوبين والذي عرف بقدرته على تعبئة وضبط ساعة الجيب المتنقّلة لصاحبها وذلك بواسطة وضع ساعة الجيب داخل ما يشبه المهد الموجود في الجزء العلوي من ساعة عربة الركّاب فيقوم هذا بتعبئتها وحتّى بتصحيح وضبط انحرافات صغيرة مجودة فيها. 

إلى جانب ساعات بيرغي المعروضة في المجموعة تعرض كذلك مجموعة من ساعات الصورة المتحرّكة وساعات رفّ دقّاقة لمنتجين آخرين بالإضافة إلى أدوات/ أجهزة علميّة مثل بوصلات بارومتريّة، ساعات شمسيّة (مزولة) ومراقيب (تلسكوبات) من القرن الـ 17 وحتّى الـ 19. مجموعة ساعات متميّزة إضافيّة صنعت في القرن الـ 18 لصالح السوق التركيّ. بالإضافة إلى كلّ هذه تعرض مجموعة منتجات كماليّات من القرن الـ 19، منها علب عزف يدويّة متنوعة من الذهب ومزخرفة برسوم بالمينا وباللؤلؤ ومرصّعة بالماس أنتجها فنّانون مشهورون. كما تعرض ألعاب أوتوماتيكيّة المشترك بينها هو الآليّة الصغيرة والمعقّدة التي تشغّلها.     

 

تفوّق الفرنسيّين في صناعة العلب المختلفة للتبغ وغيره المصنوعة من معادن ثمينة انتهى مع انتهاء القرن الـ 18. احتلّ الفنّانون السويسريّون مكانهم وأنتجوا  مينا مزجج داخل علب من الذهب بسيطة نسبيًّا تمّ تصميمها بأسلوب نيوكلاسي.

إبّان القرن الـ 19 استثمر الفنّانون السويسريّون معرفتهم ومهارتهم كساعاتيّين لتطوير فرع لانتاج علب العزف اليدويّة وعلب عصافير مغرّدة. أصبحت العلب معقّدة بدرجة عالية ومجهّزة بمكنات أوتوماتيكيّة معقّدة.

علبة عزف سويسريّة مع طائر مغرّد وساعة (WA 4 70) من اوائل القرن الـ 19 ما هي إلّا نموذجًا واحدًا لعلب العزف. وهي مصنوعة من الذهب ولها لوح مينا بنفسجيّ مرقّن.  عند فتح اللوح  يقف البلبل المختبئ تحته ويغرّد. هذه اللعبة توضح العلاقة بين صناعة وتصليح الساعات وبين فنّ علب العزف اليدويّة.