فريد أبو شقره – ربيع عام 2008
تكاتب الفنان ما بين الثقافات، التراث والحداثة |

أصبح الحديث عن تعدد الثقافات، العولمة والهوية مرادفا ومكملا لأحاديث كثيرة سابقة ولاحقة حول قضايا مثل التراث والمعاصرة، التجديد والتقليد، السلفية والعقلانية، الأنا والآخر.  
هذه الثنائيات التي شغلت الكثيرين وما زالت تفرض نفسها، لم تعد بحاجة إلى تعميمات، تركيبات وتوضيحات لقول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، كما هو دارج في الكثير من التصرفات الثقافية المزدوجة التي تعبر بازدواجيتها عن عدم النظام والتناقض "والبرادوكس" الذي يعيشه المثقف في هذه البلاد حيث تعتريه وتتملكه هذه الأزدواجيه بمحض إرادته، والسؤال ألذي يطرح نفسه هو: ما هي الوسائل والأدوات التي يجب على المثقف في هذه البلاد أن يتسلح بها في عصر يضج بالتناقضات والازدواجيات، بعيدين عن الاهواس "الفنتازيات" الفكرية التي تستعرض أكثر مما تحلل، وتعمد إلى إثارة الضجة فوق السطح أكثر من الولوج إلى الأعماق. ولعل تعدد أبعاد القضية وإضفاء البعد السياسي عليها هو الذي جعل الكثير من الكتابات حول هذا الموضوع تتخبط لأنها تتصل بقضية هوية الثقافات وتعددها مقابل العولمة التي يريد الغرب فرضها علينا، والعولمة هي تنميط الثقافات الوطنية للشعوب وفق نموذج واحد هو الثقافة الغربية لأنه من منظور الغرب. هو النموذج المتقدم للحضارة وهو الذي يأخذ على عاتقه حماية ( حقوق الإنسان ). ففي ظل العولمة المطروحة الآن والتي أتتنا كالقدر المحتوم،  فان أول ما علينا القيام به هو القبول بها كواقع، ومن ثم محاولة المشاركة بها ضمن ما هو متوفر لدينا إبداعيا، ومن ثم محاولة أنسنة هذه العولمة وترويضها بما يتلاءم مع طبيعتنا، وهو أمر بعيد المنال لكنه ليس مستحيلا،

انه البديل الواقعي للاندماج في العولمة أحادية الإرسال، لنكون أكفاء في عولمة متعددة الأطراف، قادرة على الجدل والحوار، تعززها القيم الإنسانية والتعددية وحقوق الإنسان، التي هي في الأساس من قيم العروبة والإسلام (1) هل يمكن القول بأن عصر العولمة وتعدد الثقافات هو عصر حرية التعبير المطلق؟ وإذا كان كذلك، فأين يكمن الحد وما هي الحدود الحمراء لهذه الحرية إذا وجدت؟ وذلك لسبب بسيط  وهو أن الثورة الاتصالية الكبرى التي قربت المسافات بين البشر بصورة لم تعرفها البشرية سابقا، استطاعت من خلال الأقمار الصناعية والقنوات الفضائية وشبكة الانترنت، أن تعطي منابر لا حدود لها لمن لا صوت لهم، وهكذا فالمثقف الذي تمنعه حكومته عن حرية التفكير وحرية التعبير يستطيع أن يصمم لنفسه موقعا على الإنترنت ليذيع أفكاره ويعبر عن حريته كما يشاء. وهذا ما يحدث عادة في الدول العربية حيث يجد المثقف نفسه تحت هذا الضغط، وخاضعا لهذه العلاقة بين الأنا والآخر وذلك على مستويات عديدة لاختبار السلطات الحاكمة في حركاتها وتحركاتها ألسياسيه في التعبير عن الغضب الشعبي في علاقاتها مع الغرب من جهة، ومع الصهيونية والاحتلال من جهة أخرى، ومن جهة ثالثة تعامله مع كونه مثقفا يحارب لأجل لقمة العيش .

انه من خصوصية الفنان المشغولة مشاعره بقضايا أمته والمحيط الذي يعيشه، تلك المشاعر الحادة المرهفة تجعله ينحاز إلى تلك القضايا وبصورة صادقة عندما تشتد عليه الأزمات والمحن الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية حيث يعتمد الفنان من خلال ذلك إلى ترصيع لوحاته وأعماله بكثير من الرموز المستوحاة من تاريخه وتراثه، قد يلتبس على المشاهد فك
تلك الرموز، تحليل وتفكيك المصطلحات الجمالية الفنية. فتحليل وتفكيك هذه الرموز هو ليس بصورة التقرير أو بصورة المنطق الرقمي، الأمر الذي قد يصل بنا إلى مفترق طرق قد يكون على حساب فهم مقروء النصوص الجمالية، وحينها قد نكون أخطأنا هدف العمل الفني ذات مجالات الفهم الواسعة شديدة الاتساع  لنضعه  في عنق الزجاجة .

 مع هذا فان فنون الحداثة وما بعد الحداثة لا تلغي بدورها المدارس والاتجاهات الفنية، إنها تحاول أن تعطي تفسيرا آخر للمرئي والجمالي، إنها تحاول أن تتعامل مع الشكل بأساليب وأفكار وتقنيات مختلفة ومتعددة مما يزيد هذا الفن تنوعا وتفردا وثراء.

فمعرض تكاتب يعرض تجربة للمصالحة والمصادقة مع ثقافته وثقافة الآخر بما تحمله هذه الثقافة من حدود سياسية واجتماعيه من دافع الخوف والشك والفضول للمعرفة، من دوافع إثارة الجدل من جهة، ومن جهة ثانية الحوار والتكاتب الثقافي الإنساني. هذا المعرض يعرض أنماطا تسحب من الفنان جزءا من الطابو لثقافته كونه مشغولا، منزعجا ومتأثرا بثقافة الآخر في عصر "الفندليه"، الحداثة، العولمة والصهيونية، حيث يجد الفنان نفسه من خلال ما ذكر، أمام دينصورات فكرية يتحداها محاولا إخضاعها، ترويضا، تجريبها وربما فهمها وتذويتها، لفهم ما تفرضها الحداثة من جهة وما يفرض علينا من قبل الأصولية والتراث من جهة ثانية،  ومن جهة ثالثه ما تفرضه العولمة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو: ما هي الوسائل والأدوات التي يجب على الفنان من كلا أطراف الثقافة أن يتعامل معها ليستطيع من خلالها أن ينخرط ويتماها بفكره معلنا تفرده وتميزه. الفنان وليد أبو شقره من مواليد أم الفحم يعرض أعمالا يتكاتب من خلالها مع مناظر من أم الفحم، انه يقوم بتصوير هذه المناظر
بواسطة آلة تصوير ليقوم بفحصها ودراستها من جديد هناك في بلاد الضباب الكثيف في لندن، فيحصل في لوحاته شيء يثير الفضول ويشد الانتباه وهو ترجمة المناظر الشرق أوسطية وبما يحمل الشرق الأوسط من ضوء وظل وعناصر إقليمية تختلف كل الاختلاف عن الإقليم الأوروبي، فنشاهد لوحاته أو مطبوعاته النحاسية، تعطينا مناظر لبلادنا من ناحية الشكل، أما من ناحية الأجواء الرومانسية فهي أجواء أوروبيه مما يؤشر  نحو التكاتب المثير للفضول وللجدل نحو التناقض التي تحدثه أجواء اللوحات من جهة ومن جهة ثانية عملية التوثيق لتلك المناظر المركبة من التلال والبطاح، الوديان، أشجار اللوز وأشجار الزيتون، والصبار الذي
يزنر البيوت وقطع الأراضي المرصعة بالغلاة والمراعي والمناظر الخالية من البناء المعماري، المليئة بالخضرة، حيث كان يقول في سنوات السبعين "بأنه سيأتي يوم لا نشاهد فيه هذه المناظر الجميلة فابن آدم ينتظر إبادتها خلف الباب". 

أما الفنانأسد عزي التي تتكاتب أعماله مع الطفولة كمهد للتطوير والتربية من خلال دمج أجواء قرويه عايشها الفنان. طفل عايش حكاية قرية تقليدية تتبنى لنفسها معتقدات شعبية إيمانية  مثل "النذر" يقول الفنان: أنا منذور منذ ولادتي وحتى جيل الستة سنوات، وذلك بسبب أخوتي الثلاثة الذين أجهضوا وماتوا، فعند ولادتي نذروا نذرا عند قبر النبي شعيب وأخفوا هويتي الذكرية جاعلين مني طفلا بلباس طفلة حتى لا يأتي ملك الموت ليراني ذكرا فيختارني بين جناحيه. يقول الفنان أسد عزي: هكذا أرسم نفسي في إطارات اللوحات المشتركة في هذا المعرض، ولد صغير طويل الشعر، يلبس فستان طفلة، يربط شعره ويحمل بيده وردا وباليد الثانية يمسك طرف الفستان. كوني بداخل الفستان لم يؤذي طفولتي. بل أعطاها بعدا آخرا ألمس من خلاله الرقة والأنوثة التي امتصصتها من خلال هذه التجربه.

الفارس هو عنوان العديد من أعمال الفنان أحمد كنعان الجديدة، فهي بمثابة امتداد طبيعي لمجموعة المنحوتات منذ سنوات الثمانينات حتى الألفين، فالفارس قد يكون معنى مجازي للحارث، الفارس الذي قد يكون الحارث والفرس قد يكون المحروث أو المحروث عليه، فارس وفرس، حارث ومحروث، راكب ومركوب، هذه العلاقة الحتمية بين هذه الثنائيات أدت إلى وصول الفنان لموضوع الفارس كنتيجة من سلسلة أعماله الحارث فيما تجاوز المعنى الرمزي الذي يفرضه وجود الفارس والحارث، كلاهما
حارث وفارس في المفاهيم الجماعية ولكنها تحمل دلالات لصالح الفردية والخصوصية فيعني الفارس بالنسبة للفنان: المحارب، القائد، المخلص، العاشق، وقد يكونا الفارس والعاشق أنا. انه يبني أعماله بواسطة فراغات مسطريه ويرشها بالألوان لتشكل بناء محددا متموجا من جراء تكاثف أشكال الفارس المسطرية التي كونها أحمد كنعان في فضاء لوحته دون اللجوء، وكأنها قطعة كبيرة من ألعاب الأطفال التركيبية، تركب قطعة تلو الأخرى بشوق يلازمه الصبر حتى يزيد لصفات الفارس العاشق صفة أخرى وهي الطفولة. أحمد كنعان يتكاتب مع ذاته، مجتمعه، الآخر الذي يحمل قومية مختلفة، مع الصراعات المجتمعية في هذه البلاد، بين كل فئتين متضاربتين. الصراع هو حيز هام لإصدار العمل ودافع ضروري للتعبير عن الإنشاءات الفكرية والشعورية لذاتية الفنان.

تعمل أحلام بسول على توثيق الماضي الذي أهمل، القرى بعد الهجرة تحولت لجزء لا يتجزأ من الطبيعة وعبثيتها. القرى والهندسة المعمارية التي صارت بأيدي الزمن وتقلبات الطقس هي حقائق مخفية بين طيات الطبيعة والثقافات. صور الفنانة تنادي بالوقوف والإنصات للماضي دون
تجاهل الحاضر بكل ما يحمل من حواجز تمنعنا من ممارسة أحاسيسنا وفرادتنا. إنها تدعونا للوقوف أمام هذه المناظر والبنايات المعمارية لطرح الأسئلة وفتح الأقواس من أجل التعبير عن الحاجة للتكاتب والتخاطب الإنساني، السياسي مع الآخر الذي هو جزءا من إشكالية هذه الأطلال حتى أصبح الآن من تراكيب هذه القضية وهذه الثقافة. 

نرى في رسومات فاطمه أبو رومي تشخيصا لذاتها وذات أبيها والدمى التي تظهر في العملين. دمية تظهر في عمل تظهر فيه هي وأبيها، واثنتي عشرة دمية تظهر في العمل الذي يرمز نحو العشاء السري أو العشاء الأخير. إنها رسومات زيتية منظمة تتحدث عن عادات وتقاليد
شرقية يفرضها الأب والأخ الكبير. تتبع الفنانة أسلوبا تعددت فيه الاتجاهات الفنية فتلجأ إلى الأسلوب الواقعي المجتمعي، إنها تجمع بين مفردات شكلية نسائية وإنشاءات فكرية مشحونة بالمشاعر أتت من مخلفات المجتمع الأبوي، السلطوي ذو الرأي الأحادي. إنها تمزج وتغلف هذه الإنشاءات والمفردات بتجريديات إسلامية زخرفيه فتنفذها بدراسة ودقه. نظام الألوان التقليدي في أعمال فاطمة والتجريديات الزخرفية تحدث إثارة وتكاتبا مثيرا بين الشرق والغرب، معالجة الألوان وطريقة وضعها على القماش والحضور الشرقي التي تثيره الزخارف، زخارف مرئية وغير مرئية، تحجب وتلغي خلفية اللوحة وتلغي تفاصيل أخرى أو تصبح جزءا منها. الزخارف في منتهى الجمال والدقة ولكنها تعطي لنفسها حضورا مميزا معبرة عن الحواجز التي يفرضها المجتمع، فعملية الحجب والإلغاء هما لعبة محنكة وفريدة تقترحها علينا الفنانة لتعبر عن مقولتها، عن ثورتها الهادئة والجمالية ضد تعاليم الرجولة، التي تريد إخضاع النساء تحت تصرفها ومنطقها، عن ثورتها ضد عدم سماع الرأي الآخر وإعطائه الشرعية ليكون هو .

أما الفنانة ختام يونس فقد هجرت أدوات الرسم التقليدية والرؤية التقليدية للعمل الفني، متخذة من غياب الوعي دليلا وبوصلة يقوداها إلى بناء أعمالها، محققة بذلك استكشافا للتفاصيل الصغيرة والمساحات الشاسعة في الطبيعة لتعيرها كل الأهمية بمصداقية وتلقائية، فجاءت بها هذه التجربة إلى وضع محور الموضوعية جانبا متبنية محور الذاتية، فختام تتكاتب مع
"يوم ما بعد" يوم ما بعد هو ليس اليوم الماضي، انه ليس ليلة البارحة قبل الحدث. انه اليوم الذي يرصد لنا حصيلة الحدث، فالخطوط العشوائية، القتمات اللونية، الشروخ وشقوق ترابية بنتها الفنانة كفهارس ومفردات تحاول من خلالها توثيق أحداث "يوم ما بعد"، هذه المفردات الجمالية تحدث ضجة على مسطحات اللوحات لتشكل أشكالا لا تكوينات، أشكال تجريدية عبثية التنفيذ وأفكار تلقائية. هذه التلقائية وتلك العبثية تأخذان بالمتلقي إلى عالمه الداخلي باحثا عن كيفيات يتكاتب ويتفاعل من خلالها مع أعمالها.    

وجود الكلمة في أعمال بثينه أبو ملحم يثير أسئلة عديدة. إنها تثير أحاسيسنا وأفكارنا فتخاطبنا بأسلوب الآباء والأجداد ثم تأتي بتلك الأفكار والأحاسيس وتضعها في حيز الواقع رابطة الكلمة والمقولة المأخوذة من التراث والحياة الشعبية واليومية مع الأحداث الراهنة. محاولة إيجاد تكاتب بينها وبين اللغة، بينها وبين الكلمة، بينها وبين التراث سواء كان طرزا أو تراثا كلاميا يحمل بين طياته مفاهيم إنسانيه، اجتماعية وسياسيه. ولكن ما هي الحاجة أو ما هو الدافع عند بثينه لربط هذه المفاهيم وترجمتها على ثياب قد خيطتها هي، فجاءت بقطع من القماش المطرز بعناصر طرز فلسطينية جاهزة وأضافته لتلك الثياب التي غمرتها بمساحيق الشاي والقهوة لتأخذ طابع الفقر، والدبابيس والإبر التي تأخذ طابع المأساة. بثينه تحاول من خلال أعمالها صهر مفاهيمها صهرا كاملا لتسكبه في قالب واحد وهو قالب الكينونة، التراث والهوية .

تتكاتب مرفت عيسى من خلال أرغفة الخبز مع الحاجة والكفاية التي يحتاج إليها كل مخلوق على وجه البسيطة، فجاءت أرغفة الخبز لتكمل المقولة الفنية التي تفرضها علينا مرفت وهي الحاجة الماسة والملحة لأن نكون أو لا نكون، وليس المقصود أن نكون أو لا نكون من باب العيش وملئ البطون بالمفاهيم القاموسية، وإنما أخذ هذه المقولة إلى أبعاد تتصل بالهوية والحضارة، بالزمان والمكان لتتحول هذه المقولة إلى نقد اجتماعي وحضاري حيث يجمع هذا التكاتب بين الذاكرة الذاتية والذاكرة الجماعية
القومية، انه يبحث ويدرس الخط الفاصل بينه وبين الآخر من خلال النظر وفهم التصرفات والحركات الثقافية السياسية .

يتحاور الفنان زهدي قادري مع الصراعات بداخله مما يحفزه أن يتحدى ذاته وخاصة بعد عودته من روسيا حيث تعلم هناك موضوع الفنون.  روسيا وكل ما تحمله من تناقضات تتضارب مع الحياة الشرقية. البرد والحر، الحياة الواسعة والحياة ألضيقه، الحرية المجتمعية والقيود المجتمعية، إدراك الغرب للفنون وفتح الأبواب أمامه، أمام عدم الإدراك والتشجيع للتشكيل ولعلم الجمال في الشرق، حرية الرأي والحركة أمام القيود الذي يفرضها الشارع والحارة. كل هذه التناقضات والمفردات وضعها الفنان زهدي تحت المجهر ليفحصها هنا في الشرق ليتكاتب معها. قد يصادقها فيعطيها شرعية الكيان وقد يتخاصم معها فلا يعيرها أي اهتمام. مجموعة أعمال "عملية قيصرية" هي من جراء عملية قيصرية أجرتها زوجته عند ولادة وليدهما، فهي تعبر ببساطتها الرمزية عن المعاناة التي عاناها الزوجين من خلال تلك الفترة. في أعماله التي يظهر بها الصليب وعمل آخر تظهر به علامة سؤال بحجم فراغ اللوحة تقريبا، عملان يثيران الفضول والجدل ففي علامة السؤال نلاحظ شقا في يسار العامود قد شقه الفنان بواسطة سكين ، والعامود هو رمز الذكورة والدائرة رمز للأنوثة،
وفي لوحة الصليب نلاحظ في مركز الصليب عامودا أبيضا وكأنه مصلوب، مما تؤشر هذه الدلالات نحو المعاناة التي "عانتها الذكوره"، عاناها الفنان وكأنه هو ذاته من أجريت له العملية القيصرية .

بينما تقول الفنانة  منال محاميد : أنا أتكاتب مع العالم، مع كل شيء يثير الفضول، فالبنسبة لي كل شيء يثير الفضول، قد يكون بسيطا فاقد الأهمية بالنسبة للعامة، وقد يكون في غاية الأهمية. أتكاتب كثيرا مع الطفولة التي كونت شخصية منال، منال التي ما زالت تتصل وتخاطب الماضي بكل ما يحمل من عبثية "ونستالوجيا"، ما زلت أرى نفسي تحت
أشجار البلوط أشعر همسات الطبيعة محدثة نفسي. أجل كنت أحدث نفسي وكانت نفسي تجيبني مما كان هذا يثير كل من كان بجواري، كنت أغوص بين أزهار الصفير وأختفي بين أغمار الطبيعة. تتكاتب منال مع التناقض بين الجمال والقبح، الحياة والموت، إنها تأخذ المفردات السلبية فتنظر إليها من خلال منظار ايجابي ففي عمل الفيديو نلاحظ شخصية لا هوية لها تنزع أوراق الزهرة الصفراء وفي نفس الفلم توجد صورة لورم سرطاني، تصريحات ومفردات منال تهتم بالدور الفعال الذي يلعبه الزمن، فتفكك الزهرة حتى الإبادة بجانب الورم السرطاني يؤشران نحو الجمال الزائل والقبح الذي يسبب الزوال. أما العمل "الوضعي – انستليشن" فهو مليء بالشوق والحنين مليء بالعاطفة، يتكون من جدار من خشب البناء وفي داخل الجدار الخشبي رسائل الغرام مكتوبة بخط يدوي وبلون أحمر، واللون الأحمر يحمل التطرف بين قطبين وهما غاية المحبة وغاية الألم .  

تتميز أعمال هدى جمال بالتلقائية الفطرية، البعيدة عن النسب والقواعد التشريحية للتناسب والتوازن، إنها تعطي معان وأحاسيس ترغب بتوصيلها للمشاهد بكل براءة ووضوح لتؤكد من خلال هذه المعطيات أفكارها وتخيلاتها، فألوانها ترمز للحيوية ولبعض الغموض، ألوان ضبابية كان من مسبباتها اهتمامها بالجرأة والتجريب، بالعفوية والارتجال، فمادة
"الكورنفلور" هي دقيق يستعمل لصناعة الطعام أتت به الفنانة ومزجته بألوان الأكواريل  والأكريليك مما أنتج هذا التلاقح ألوانا باهتة ضبابيه تشكك بعين المتلقي. هدى تتناول موضوعاتها مستلهمة من البيئة، الحكايات والهويات التي يقصها التطريز الفلسطيني التراثي، إن صياغاتها التعبيرية وتراكيب الألوان المحكمة، البسيطة التي تفاجئ عين المتلقي لوجود عناصر إضافية تأخذ في أعمالها مركز البطولة كالخيوط  الملونة المصنوعة من البلاستيك والنسيج والإبرة، تقنيات تستغلها الفنانة لسرد حكايات درامية تهتم بكيان المرأة الشرق أوسطية فتؤشر نحو مفردات تفرضها البيئة الأبوية ذات السلطة والقرار.

التناقضات بين الثقافتين تثري الفنان خضر وشاح كما تعطيه إيحاءات من المنظور الإنساني المجتمعي، انه يتكاتب مع التراث ويوثقه في خلفيات أعمال "البورتريه"، الشخصيات المرسومة هي شخصيات من العائلة وشخصيات من عائلة يهودية صديقة. عائلة الفنان حاييم مؤور، وعندما سألته لماذا؟ قال: لأنها تجمعنا الكثير من الأشياء المشتركة كذكرى الكارثة اليهودية وذكرى النكبة الفلسطينية، أنا أرسم عائلتي وما تحمله من تاريخ حافل بالصبر وحاييم يرسم عائلته كذلك، حيث تثيرنا وتجمعنا المواضيع ذاتها. يرسم خضر على جلود الحيوانات بواسطة الحبر، الجلد من الخامات النادرة التي تقوم بحفظ الوثائق زمنا طويلا، الوثائق الحروفية والجمالية التشكيلية التي يحرص خضر على توثيقها إضافة "للبورتريهات"، الجلود التي لا تتحلل جاءت لتوثق بدورها شخصيات أناس تحللوا أو قابلين للتحليل في زمن ما . 

يتكاتب حنا فرح مع الذاكرة التي ما زال صداها يهدهد في الحاضر، أتكاتب مع النص الديني الذي هو بمثابة مبدأ رباني لا نقاش عليه، يوحنا المعمداني الذي قطع رأسه لأنه رفض التخلي عن مبادئه كما هو موثق في أعمال النهضويين وما قبلهم، هذا التماثل والتقابل الموجودان في أعمال الفنان هما بمثابة تصريح واضح وصريح نحو المبدئية قبل المصالح الشخصية. انه يتكاتب مع العنصر الزمني حيث تصف أعماله حالتين زمنيتين، الشعر الأسود والشعر الأبيض بكلتا قبضتي يديه، البيت المهدوم في كفر برعم حيث يقف الفنان تحت عقدة الشباك، البيت هو بمثابة الماضي وحنا فرح بمثابة الحاضر الذي جاء لقراءة النصوص التاريخية في الحداثة والبحث عن آليات لتفكيك وتأويل تلك النصوص، حنا فرح يعد نفسه أحد هذه الآليات أو الوسائل إذا صح التعبير، معبرا من خلالها عن مبدئية يوحنا المعمداني، عن مبدئيته هو كما هو واضح في عمله المصور"من مجموعة مشوشه" حيث نشاهد رأسه على طبق من نحاس ليتم مقولته.